الغزالي
99
مجموعة رسائل الإمام الغزالي
الباب الثاني في بيان الأدب روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « أدّبني ربّي فأحسن تأديبي » . والأدب تأديب الظاهر والباطن ، فإذا تهذب ظاهر العبد وباطنه صار صوفيا أديبا ، ومن ألزم نفسه آداب السنة نوّر اللّه قلبه بنور المعرفة ، ولا مقام أشرف من متابعة الحبيب صلى اللّه عليه وسلم في أوامره وأفعاله وأخلاقه والتأدب بآدابه قولا وفعلا وعقدا ونية . والإنصاف فيما بين اللّه تعالى وبين العبد في ثلاثة : في الاستعانة والجهد والأدب ، فمن العبد الاستعانة ، ومن اللّه الإعانة على التوبة ، ومن العبد الجهد ، ومن اللّه التوفيق ، ومن العبد الأدب ، ومن اللّه الكرامة . ومن تأدب بآداب الصالحين ، فإنه يصلح لبساط الكرامة ، وبآداب الأولياء لبساط القربة ، وبآداب الصديقين لبساط المشاهدة ، وبآداب الأنبياء لبساط الأنس والانبساط ، ومن حرم الأدب حرم جوامع الخيرات ، ومن لم تريضه أوامر المشايخ وتأديباتهم ، فإنه لا يتأدب بكتاب ولا سنة ، ومن لم يقم بآداب أهل البداية كيف يستقيم له دعوى مقامات أهل النهاية . ومن لم يعرف اللّه عزّ وجلّ لم يقبل عليه ، ومن لم يتأدب بأمره ونهيه كان عن الأدب في عزلة . وآداب الخدمة الفناء عن رؤيتها مع المبالغة فيها برؤية مجريها . العبد يصل بطاعته إلى الجنة وبأدبه إلى اللّه تعالى ، والتوحيد موجب يوجب الإيمان فمن لا إيمان له لا توحيد له والإيمان موجب يوجب الشريعة فمن لا شريعة له لا إيمان له ولا توحيد له ، والشريعة موجب يوجب الأدب فمن لا أدب له فلا شريعة له ولا إيمان له ولا توحيد له ، وترك الأدب موجب يوجب الطرد ، فمن أساء الأدب على البساط رد إلى الباب ، ومن أساء الأدب على الباب رد إلى سياسة الدواب ، وأنفع الآداب التفقه في الدين والزهد في الدنيا والمعرفة بما للّه عليك وإذا ترك العارف أدبه مع معروفة فقد هلك مع الهالكين . وقيل : ثلاث خصال ليس معهن غربة : مجانبة أهل الريب ، وحسن الأدب ، وكف الأذى ، وأهل الدين أكثر آدابهم في تهذيب النفوس ، وتأديب الجوارح ، وحفظ الحدود ، وترك الشهوات ، وأهل الخصوصية أكثر آدابهم في طهارة القلوب ، ومراعاة الأسرار ، والوفاء بالعهود ، وحفظ الوقت ، وقلة الالتفات إلى الخواطر ، وحسن الأدب في مواقف الطلب ، وإدمان الحضور ، ومن قهر نفسه بالأدب فهو الذي يعبد اللّه بالإخلاص . وقيل : هو معرفة اليقين . وقيل : يقول الحق سبحانه : من ألزمته القيام مع أسمائي وصفاتي ألزمته الأدب ، ومن أراد الكشف عن حقيقة ذاتي ألزمته العطب ، فاختر أيهما شئت : الأدب أو العطب ؟ ومن لم يتأدب للوقت فوقته مقت ، وإذا خرج المريد عن استعمال الأدب فإنه يرجع من حيث جاء . وحكي عن أبي عبيد القاسم بن سلام قال : دخلت مكة فربما كنت أقعد بحذاء الكعبة وربما كنت أستلقي وأمد رجلي فجاءتني عائشة المكية فقالت لي : يا أبا عبيد : يقال إنك من أهل العلم اقبل مني كلمة لا تجالسه إلا بالأدب وإلا فيمحى اسمك من ديوان أهل القرب ،